الانتصار التاريخي لليسار في الانتخابات الرئاسية الكولومبية لعام 2022

نشرت قبل يوم واحد من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية تدوينة عن المتنافسين فيها. الآن وبعد يوم من إعلان النتائج، أنشر تدوينة أخرى أقدّم فيها لمحة سريعة عن السيرة السياسية للفائز في هذه الانتخابات. كما في التدوينة السابقة، كتبت النص الأصلي باللغة الإسبانية اعتماداً على مصادر إسبانية في إطار جهودي لتعلّم هذه اللغة، بالتالي محتوى النص متواضع نسبياً، ولكنه قد يكون مفيداً للبعض نظراً لقلّة اطلاع أغلبية القراء العرب على أحوال أمريكا اللاتينية.

مع صبيحة البارحة 21 يونيو/حزيران 2022 باتت هوية الساكن الجديد في “قصر نارينيو” (المقر الرسمي لرئاسة جمهورية كولومبيا) معروفة: الرئيس المنتخب “الدكتور” غوستافو بيترو، والذي فاز في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بحصوله على 11,2 مليون صوت، أي ما نسبته 50,49% من الأصوات مقابل 47,26% لغريمه “المهندس” رودولفو هيرنانديز، ليكون بذلك المرشّح الرئاسي الفائز بأكبر عدد من الأصوات في تاريخ كولومبيا. على الرغم من تشابه هيرنانديز مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في خطابه الشعبوي المضاد للعمل السياسي التقليدي، إلا أنه تميّز عنه على الأقل في احترامه لمبادئ العملية الديمقراطية، فقد اعترف مباشرةً بهزيمته وعبّر عن تمنّياته للفائز بيترو برئاسة ناجحة.


قصر نارينيو. المصدر: ويكيميديا

لن يكون بيترو أول رئيس يساري لكولومبيا فحسب، بل أيضاً أول رئيس “ساحلي” أي من منطقة الساحل الكاريبي لكولومبيا، التي ينحدر منها أيضاً الكاتب الكولومبي الأكثر شهرة في العالم غابرييل غارسيا ماركيز. بيترو في الحقيقة من المعجبين بشدّة بماركيز لدرجة أنه اتّخذ “أورليانو” اسماً حركياً لدى نشاطه في حركة م-19 الاشتراكية المسلّحة، وهو اسم إحدى الشخصيات الرئيسية في رواية ماركيز الشهيرة 100 عام من العزلة.

اعتقل “أورليانو” عام 1985 قبيل قيام حركة م-19 بعملية اقتحام القصر العدلي في بوغوتا سيئة الصيت، والتي راح ضحيتها أكثر من 100 شخص، بينهم 11 قاضياً في المحكمة العليا. أطلق سراح بيترو بعد عامين في السجن، وفي عام 1990 قامت حركة م-19 بالتخلّي عن سلاحها طواعيةً.


أعضاء حركة م-19 يقومون بتسليم سلاحهم. المصدر: إل تيمبو

لم تكن المصالحة مع الدولة كفيلة بإنهاء مشاكل بيترو السياسية، فقد تعرّض للتهديد والمضايقة من قبل الميليشيات اليمينية (paramilitar)، مما أجبره على مغادرة كولومبيا وقبول وظيفة متواضعة في السفارة الكولومبية في بلجيكا. في عام 1998 عاد بيترو إلى كولومبيا ليتم انتخابه نائباً في مجلس النواب الكولومبي. تميّز بيترو خلال عمله النيابي بانتقاداته اللاذعة لسياسيات الرئيس ألفارو أوريبي فيليز (2002-2010) النيوليبرالية، بالإضافة للعلاقات الوثيقة بين حكومة أوريبي والميليشيات اليمينية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. في عام 2011 انتخب بيترو عمدة العاصمة بوغوتا، وهو ثاني أهم منصب في البلاد ومنصّة رئيسية للطامحين لرئاسة كولومبيا.

على الرغم من تلك الإنجازات السياسية جنى بيترو قدراً لا بأس به من الانتقادات من قبل زملائه في اليسار الكولومبي. فقد اتّهمه الكثيرون بالتعجرف الفكري، والتسلّط الإداري، والخطاب الاستقطابي، واصفين إياه بشخصٍ مغرور يعتبر نفسه المسيح المنتظر الذي سيخلّص الشعب من بؤسه. ولكن يساريين آخرين يقارنونه بالسياسي التقدّمي المحبوب لويس كارلوس غالان، الذي اغتيل بأوامر من تاجر المخدّرات بابلو إسكوبار أثناء حملته الانتخابية الرئاسية عام 1989.

مقتطفات من خطابات الزعيم الكولومبي الراحل لويس كارلوس غالان

إن كان اليسار الكولومبي منقسماً على نفسه بشأن تقييم تجربة بيترو كنائب في البرلمان الكولومبي وكعمدة للعاصمة، إلا أن الكثيرين يتفقون على أن بيترو قد تطوّر كثيراً خلال مسيرته السياسية. فقد ابتعد عن شخصيته القديمة كيساري راديكالي مشاكس، وأتقن أصول العمل السياسي التقليدي. في الحقيقة، ربما كان نجاحه في تقديم نفسه كشخصية توافقية ورجل دولة هو السرّ في نجاحه التاريخي—على عكس جميع التوقعات—ليصبح أول رئيس يساري لكولومبيا.

من الجدير بالذكر أن انتخاب بيترو رئيساً ليس النتيجة التاريخية الوحيدة التي أفرزتها هذه الانتخابات. ففوز فرانسيا ماركيز—شريكة بيترو على البطاقة الانتخابية—بمنصب نائب الرئيس حدثٌ تاريخي لا يقل أهمية، فهي أول امرأة من أصول أفريقية تصل إلى هذا المنصب الرفيع. إلى جانب ذلك تثير سيرة حياتها كامرأة عصامية إعجاب الكثير من الكولومبيين من الطبقات المُهمّشة، فقد كافحت منذ صغرها من أجل إعالة نفسها وتمويل دراستها الجامعية من خلال القيام بأعمال متواضعة وشاقّة كالتنقيب عن الذهب والخدمة المنزلية حتى حصلت مؤخراً على إجازة في الحقوق. كما أنها لفتت أنظار العالم بنشاطها الاجتماعي والسياسي من أجل حقوق المرأة وحقوق الأقلّيات العرقية وحماية البيئة في ظلّ مناخٍ سياسي يتميز بعنفه المفرط. فكولومبيا بلد يقتل فيه الناشطون الحقوقيون بالعشرات كل عام (وصل هذا العدد إلى 155 عام 2018).


فرانسيا ماركيز. المصدر: بي بي سي مندو

نجاح اليسار والأقلّيات العرقية في إحداث تغيير سياسي على رأس هرم السلطة السياسية في كولومبيا أمرٌ تاريخيٌ بلا شك. ولكن توسيع هذا التغيير ليمتد إلى الهرم بأكمله قد يكون أصعب بكثير. فالمحافظون مازالوا يتحكّمون بمفاصل الإدارة الحكومية، فضلاً عن تغلغل شبكات معقّدة من الميليشيات اليمينية المتطرّفة وعصابات المخدّرات ورجال الأعمال الفاسدين داخل أجهزة الدولة. تفكيك هذه المنظومة لن يكون بالعمل الهيّن وقد يتخلّله—أو بالأحرى بالتأكيد سيتخلّله—الكثير من أعمال العنف والقلاقل الاجتماعية. وحدها الأيام ستحكم إن كانت موجة اليسار التي عمّت العديد من دول أمريكا اللاتينية ستصمد في كولومبيا لزمنٍ طويل أم ستمرّ عليها مرور الكرام. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s